محمد جمال الدين القاسمي

483

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وجعل المسافر ابنا لها لملازمته إياها - كما يقال لطير الماء : ابن الماء ، ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن الأيام ، وللشجعان : بنو الحرب ، وللناس : بنو الزمان . وَالسَّائِلِينَ وهم الذين يتعرضون للطلب ، فيعطون من الزكوات والصدقات . كما روى الإمام أحمد عن حسين بن عليّ عليهما السلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » : للسائل حق وإن جاء على فرس . ورواه أبو داود . وَفِي الرِّقابِ معطوف على المفعول الأول - وهو ذوي - أي : وآتى المال في الرقاب ، أي دفعه في فكّها ، أي : لأجله وبسببه . قال الراغب : الرقاب جمع رقبة . وأصل الرقبة : العنق . ويعبّر بها عن الجملة ، كما يعبّر عنها بالرأس . وقال الحراليّ : الرقاب جمع رقبة وهو ما ناله الرقّ من بني آدم . فالمراد : الرقاب المسترقّة التي يرام فكّها بالكتابة - وفكّ الأسرى منه - وقدّم عليهم أولئك لأنّ حاجتهم لإقامة البنية . قيل نكتة إيراد ( في ) هو أنّ ما يعطى لهم : مصروف في تخليص رقابهم ، فلا يملكونه كالمصارف الأخرى . واللّه أعلم . لطيفة : قال الراغب : إن قيل كيف اعتبر الترتيب المذكور في قوله تعالى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ . . . الآية ؟ قيل : لما كان أولى من يتفقدّه الإنسان بمعروفه أقاربه ، كان تقديمها أولى ثمّ عقبه باليتامى لأن مواساتهم بعد الأقارب أولى . ثمّ ذكر المساكين الذين لا مال لهم حاضرا ولا غائبا . ثمّ ذكر ابن السبيل الذي قد يكون له مال غائب . ثم ذكر السائلين الذين منهم صادق وكاذب ، ثم ذكر الرقاب الذين لهم أرباب يعولونهم . فكلّ واحد ممن أخّر ذكره أقل فقرا ممن قدّم ذكره . . . ! وَأَقامَ الصَّلاةَ أي : أتمّ أفعالها في أوقاتها - بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها - على الوجه الشرعي المرضيّ . وَآتَى الزَّكاةَ أي : زكاة المال المفروضة ؛ على أن المراد بما مرّ من إيتاء المال ، التنفل بالصدقات والبرّ والصلة . قدّم على الفريضة مبالغة في الحث عليه ، أو المراد بهما المفروضة ، والأول لبيان

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الزكاة ، 33 - باب حق السائل ، حديث 1665 .